محمد بن جرير الطبري

359

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله تعالى ذكره أخبرَ آدم وحواءَ وإبليس والحية ، إذ أهبطوا إلى الأرض : أنهم عدوٌّ بعضهم لبعض ، وأن لهم فيها مستقرًّا يستقرون فيه ، ولم يخصصها بأن لهم فيها مستقرًّا في حال حياتهم دون حال موتهم ، بل عمَّ الخبرَ عنها بأن لهم فيها مستقرًّا ، فذلك على عمومه ، كما عمّ خبرُ الله ، ولهم فيها مستقر في حياتهم على ظهرها ، وبعد وفاتهم في بطنها ، كما قال جل ثناؤه : ( أَلَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا ) ، [ سورة المرسلات : 25 - 26 ] . * * * وأما قوله : ( ومتاع إلى حين ) ، فإنه يقول جل ثناؤه : " ولكم فيها متاع " ، تستمتعون به إلى انقطاع الدنيا ، ( 1 ) وذلك هو الحين الذي ذكره ، كما : - 14417 - حدثت عن عبيد الله بن موسى قال ، أخبرنا إسرائيل ، عن السدي ، عمن حدثه ، عن ابن عباس : ( ومتاع إلى حين ) ، قال : إلى يوم القيامة وإلى انقطاع الدنيا . * * * و " الحين " نفسه : الوقت ، غير أنه مجهول القدر ( 2 ) ، يدل على ذلك قول الشاعر : ( 3 ) وَمَا مِرَاحُكَ بَعْدَ الْحِلْمِ وَالدِّينِ . . . وَقَدْ عَلاكَ مَشِيبٌ حِينَ لا حِينِ ( 4 ) أي وقت لا وقت .

--> ( 1 ) انظر تفسير ( ( المتاع ) ) فيما سلف 1 : 539 - 541 / 11 : 71 ، تعليق : 2 . والمراجع هناك . ( 2 ) انظر تفسير ( ( الحين ) ) فيما سلف 1 : 540 ، ولم يذكر هذا هناك في تفسير نظيرة هذه الآية . ( 3 ) هو جرير . ( 4 ) ديوانه : 586 ، وسيبويه 1 : 358 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 212 ، والخزانة 2 : 94 ، وغيرها . مطلع قصيدة في هجاء الفرزدق ، ورواية الديوان ، وسيبويه : * ما بالُ جَهْلِكَ بَعْدَ الْحِلْمِ والدِّينِ * وبعده : لِلْغَانِيَاتِ وِصَالٌ لَسْتُ قَاطِعَهُ . . . عَلَى مَوَعدِهَ مِنْ خُلْفٍ وَتَلْوِينِ إِنَّي لأَرْهَبُ تَصْدِيقَ الْوُشَاةِ بِنَا . . . أَوْ أَنْ يَقُولَ غَوِىٌّ للنَّوَى : بِينِي و ( ( المراح ) ) ( بكسر الميم ) : المرح والاختيال والتبختر ، وذلك من جنون الشاباب واعتداده بنفسه . وكأن رواية الديوان هي الجودي . وأنشده سيبويه شاهدًا على إلغاء ( ( لا ) ) وإضافة ( ( حين ) ) الأولى إلى ( ( حين ) ) الثانية ، قال : فإنما هو حين حين ، و ( ( لا ) ) بمنزلة ( ( ما ) ) إذا ألغيت . وهذا الذي ذكر أبو جعفر هو أبي عبيدة في مجاز القرآن 1 : 212 ، وجاء بالبيت كما رواه هنا ، وان كان في مطبوعة مجاز القرآن : ( ( وما مزاحك ) ) بالزاي ، وهو خطأ مطبعي فيما أظن .